الحكيم الترمذي
457
ختم الأولياء
عمن سواه . - قد ذلت نفسه عند ظهور عزته ، وتلاشت عن التكلّف عند رؤية نصرته . فقامت نفسه في خدمته كالعبد المحجور ، أو كالمضطر المقهور ، أو كالأسير المأسور . ثم نظر اليه ربه نظرة رحمته ، فنثر عليه من خزائن الربوبية نثار كرامات الخصوصية ، حتى قام مقام حقيقة العبودية . فأغناه اللّه تعالى بذلك ، ثم قرّبه وناداه ، وأكرمه وسماه ، ولطف به ودعاه . فأتاه حين سمع دعاءه . فأيده اللّه تعالى وقوّاه ، واكتنفه وآواه ، حتى أجابه ولبّاه ، وفي السر ناداه ، وفي كل وقت ناجاه . وصرخ إلى مولاه ، لا يعرف له ربا سواه . فأعطاه سؤله ومناه ، واصطفاه لخدمته وهداه ، ولمحبته ارتضاه ، ولمعرفته اجتباه . وأجرى بين يديه انهارا من الصدق والصفاء ، والتحقيق والحياء ، والمحبة والرضاء ، والخوف والرجاء ، والصبر والوفاء ، والشكر والقضاء ، والبقاء واللقاء ، والافتخار والافتقار ، والتعظيم وترك الاختيار ، والنظر في الاقدار ، ومشاهدة العزيز الجبار ! - يزيده اللّه كل وقت من اللطائف ما عجز الواصفون عن وصفه . وهو في قرب من مولاه ، مستوحش من دنياه . اشتغل باللّه عن النظر في عقباه . فهو في ارغد عيش مع مولاه . يخاف زوال هذا الحال ، ويخشى حادثة توجب الانتقال ، عن مقام مشاهدة الكبرياء والجلال . وهو في هذه الحالة كالأنيس المستوحش وكالمستقر المستوفز ، وكالمطمئن المضطرب . - قد غرق في بحر لا يرى شطه ، وهو بحر التوحيد ، ولا يتمنى النجاة من هذا الغرق . يتلذذ هذا الموحد ، كما يتلذذ المتلذذون من حلاوات الدنيا . ويألم من ألم فراقه بما لا يألم أهل الأوجاع والأمراض والشدائد ، والمضروبون بالسياط والمجرّمون بالحديد . فعافاه اللّه من ألم الفراق وجمع له كل عافية ، وجمّله من عنده وآمنه ! » ( بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب للحكيم الترمذي ، نشر الدكتور نقولا هير ، القاهرة سنة 1958 ص 99 - 102 ) . 14 ) الحكيم الترمذي ، علامات الأولياء : « الأولياء هم الذين عليهم سمات ظاهرة من اللّه تعالى : قد علاهم بهاء القربة ، ونور الجلال ، وهيبة الكبرياء ، وأنس الوقار . فإذا نظر الناظر إليهم ( الأصل : اليه ) ذكر اللّه تعالى ، لما رأى عليهم من آثار الملكوت . والقلب معدن هذه الأشياء ، ومستقر النور . . . فإذا كان على القلب نور سلطان الوعد والوعيد ، تأدى إلى الوجه ذلك النور . فإذا وقع بصرك عليه ذكرك التقوى ، ووقع عليك منه مهابة الصلاح والعلم بأمور اللّه تعالى . ومتى كان على القلب نور سلطان الحق ، ذكرك الصدق والحق ووقع عليك مهابة الحق والاستقامة . وإذا كان عليه نور سلطان اللّه تعالى وعظمته وجلاله ، ذكرك عظمته وجلاله وسلطانه . وإذا كان على القلب نوره - وهو نور الأنوار - بهتك رؤيته ! » ( نوادر الأصول ، ص 140 ) 15 ) الحكيم الترمذي ، خاتم الأولياء : « . . . وقد يكون في الأولياء من هو ارفع درجة . وذلك عبد قد ولى اللّه استعماله ، فهو في قبضته يتقلّب . به ينطق ، وبه يسمع ، وبه يبصر ، وبه يبطش ، وبه يعقل . شهره في أرضه ، وجعله إمام خلقه ، وصاحب لواء الأولياء ، وأمان أهل الأرض ، ومنظر أهل